English | فارسى  لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية

 

البحث
العناوين
المتون
الكل
إبحث
الخدمات
اتصل بنا
دليل المواقع
القائمة البريدية

اشتراك الغاء










محتويات الموقع
 مقالات 
أوباما يعوذ بالشيطان من التغيير
المصدر: CDHRAP    بواسطة: جريدة السفير     الزيارات: 5296     التاريخ: 2010-02-01

فؤاد ابراهيم

بقلم : د. فؤاد إبراهيم


1 فبراير 2010

في كلمات زرادشت (ولن أعود إليكم إلا عندما تكونون جحدتموني جميعكم..) إنه الشيطان غير المكبّل بفريضة التغيير، هو إعلان عن موت الإنسان ـ الإله، الذي حلّ في جوف أنانيته ليتحرر من التزامات عجز أو تخلّى عن نقلها إلى حيز التنفيذ، بعد اكتشافه حقيقة أن من حاول إيصال صوته إليهم أنكرت آذانهم سماعه.

في التراث الشرقي ثمة ما ينبئ عن فائض أخلاقي، فإن الخطأ عنصر ضعف وإن حمته قوّة جبّارة، والصواب عنصر قوّة وإن لا ملجأ إليه سوى العدالة وصلابة الموقف، ذاك هو مستوى الكمال الأخلاقي الذي لم يبلغه الغرب. خاطب كنفوشيوس تلامذته ذات يوم: (إذا ما أحسست بقلبي أنني مخطئ، وجب علي أن أقف خائفاً حتى لو كان خصمي أقل الناس قوة، ولكنني لو أحسست بقلبي على صواب فسأسير قدماً حتى لو كنت سأواجه آلافاً أو عشرات الآلاف).

على الضد، يرى ماركس، بلغة فرغسون، بأن مهناً كثيرة لا تتطلب أي مقدرة فكرية وهي تتقن أحسن الإتقان بالكبح الكامل لجماح العاطفة والعقل. ويقول (إذا استمر التطوّر على هذا النحو ضمنا شعباً من عبيد ولم يعد لدينا أي مواطن حر). ورغم أن ماركس ترك العالم المتمدّن يفتش في علومه عن الحرية فجاءت البلشفة لتميط اللثام عن الخديعة التي وقع فيها ماركس بفعل نظرياته. فقد تبيّن أن المحبة لا تولد في المصنع، بل محلها البيئة الصالحة.

اعتقد أوباما بأنه سيكون بلا أعداء، وستبقى يداه طليقتين ليعيد تشكيل عجينة العالم دون متاعب، ولكن بعد عام من ولايته وجد نفسه يتمرّغ في مازوشية بائسة، وقد تلجئه الى النيرفانا كرهان خلاصي يحرره من طيش الخفافيش التي تحلّق حوله. وغرب عنه أن التغيير ليس صندوق العجائب، فثمة كون لا ينعتق من حدوده، ولا يمكن لبلد يحكمه رأس المال أن يعقد صلحاً دائماً مع ليبرالية مثالية، فضلاً عن أن تعمّم نفسها كونياً بكبسة زر.

فرية سمجة تلك التي ألفنا سماعها منذ سقوط الإتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات مفادها أن الليبرالية، بنسختها الأميركية، تملك دينامية فريدة على تجديد خلاياها، والتأهّب الدائم للتأقلم على العيش في ظروف متغيّرة. فتلك ليبرالية لم تواجه ذاتها قط، فهي تعيش بعد أن تفتك الأسقام بخصومها، فهي لم تنتصر ولكن خصومها انهزموا بفعل عوامل ذاتية غالباً. ولكن حين تخوض الليبرالية معركة وجودها، تصبح ماموثاً هائجاً، يهاجم كل من في طريقها، صديقاً مثل باكستان أو عدوّاً مثل إيران.

تعلّق كثيرون في هذا العالم بحبل التاريخ القادم، عسى أن يتبطّن فارساً مخلّصاً، بعد أن خسروا تفاحة الخلود، وتشقّقت الأرض عن خبيئة مغمورة منذ الانتفاضة اللوثرية، ليُعاد تثبيت الجلود على الأجساد، ويوضع حد للانسلاخ من الذات، ولكن التأمّلات القبلية والبعدية لا تتمّ إلا في المجال التجريدي، فثمة قوانين للعبة رأس المال لا يتقنها المعدمون، فهي تقتصر على طبقة النبلاء، التي ترفض تعديل تلك القوانين. ولهذا السبب حصرياً، فإن كل عقيدة لا تكفل تفوّق أميركا تصبح كفراً، بما يعكس استحالة التوفيق بين القيم والقيمومة.

لم يكن التخطيط لقصف قناة فضائية مشاكسة (الجزيرة)، أو خنق قنوات فضائية أخرى مخالفة (المنار والقدس) سوى (النسخة الخفيّة) للعقل الإمبريالي... ليس ثمة مناص من تجنّب لجم النزاع بين المعرفة الحرة والعدوانية المعاصرة. لم يعد هناك ورثة لقيم تسقط تباعاً تحت وابل الشهوانية المتوحّشة، ولا سبيل سوى التدجين التدريجي لتلك القيم كيما تندمج في المشروع التاريخي للتاريخ، وفق رؤية هيجلية مهجّنة، أي التاريخ الذي لا يُصنَع من وحي منجز إنساني حر، بل من تاريخ يصطنعه التاريخ لنفسه.. يبدو أن فايروس الإقطاع يصحو بين فينة وأخرى ليجدّد أشكال ظهوره، بما يجعله الموروث القابع في صميم العقل السياسي الغربي.

في الخطاب الافتتاحي لعهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون العام 1992، تمّ الإعلان عن انتصار الليبرالية التي تبشر بدينامية تغيير كوني، على أنقاض تشظي المنظومة السوفييتية، لكن ما لبثت لعبة الفرز على أساس خصوم وحلفاء، وبدأنا نسمع حينذاك عن شعوب مؤهّلة بدرجة كافية لامتصاص جرعة الديموقراطية، وشعوب أخرى تعاني من (سوء امتصاص) حاد، ومن عبث الصدف أن تقع الأخيرة في خانة الحلفاء للولايات المتحدة.. فالإنسان يشهد بصورة واعية تلك المفارقة الجهنمية في التبشير بالليبرالية ومتوالياتها. ثمة دعامة بيولوجية تؤسس لعملية الفرز، بما يؤول إلى اهتراء الكلمات في مفهوم الديموقراطية ذات النزعة الشوفينية، وقد أنبأتنا نخبة القوميين الأوروبيين في الحقبة الاستعمارية الذين قدّموا وصفة المشروعية لغزو العالم.. وهنا يبدو الفارق بين كنفوشيوس الشرقي واسبينوزا الغربي في المسألة العرقية، فبينما سعى الأول لتحويل العامة إلى نبلاء بإلغاء فكرة المنبت كخاصية للنبل، كان اسبينوزا يرى بأن العرق يمنح صاحبه حقاً مشروعاً بغزو الآخر.

تهكم بالغ الدلالة ظهر بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر (كن طيباً مع أميركا أو سنجلب الديموقراطية إلى بلدك). لقد نقلت المصالح السياسية الديموقراطية خارج معانيها، وتحوّلت الى عقوبة رادعة. لقد كفّت الديموقراطية عن أن تكون بشارة أميركا للعالم، وذلك يدعو لنعي الديموقراطية لأنها تنمو في كون خاوٍٍ ليس فيه لكلمة ديموقراطية أي مضمون تاريخي أو أخلاقي أو إنساني. ولأن الشيطان بحاجة الى حلفاء، كما يقول بيير بودو، فإن مستبدي الشرق ينامون قريري العين لأن الراعي الكوني للديموقراطية قد أودع قيمه في عمليات غسيل أموال النفط. فلم تعد أميركا تصنع الديموقراطية بهدف تغيير العالم.

كن ما شئت: ديموقراطياً، اشتراكياً، زرادشتياً، بوذياً، أو أصولياً، فذلك لا يعني شيئاً، ولكن أن تكون خصماً للسياسة الأميركية في أي بقعة في العالم، فستلاحقك عقوبة الإرهاب، وسيكون أعتى المستبدّين في العالم، ولا تنسَ نصيبك من الشرق الأوسط، معتدلاً، وديموقراطياً، بل ولينكولنياً.

ليس هناك خسارة تعادل توالد النقائض، حيث تنجب كل قيمة عليا نقيضها التكويني، وهو ما نشهد بشاعته منذ هجمات سبتمبر، فكانت الحرية، الضحية التي وضعت حملها، الاستبداد، أول ما دلّنا على تفسّخ القيم، وانبعث المستعمر من مرقده، كيما يتلو على العالم إضبارة الأوامر والزواجر: إفعلوا كذا وإيّاكم فعل كذا. نجا الضالعون في الجريمة من العقاب، فسجّلت التهمة باسم مجهول الفاعل، فصار الجميع في دائرة الاتهام، فاليوم يطلب من بعضنا الكفّ عن انتقاد السياسات الأميركية في منطقتنا، وغداً يكون الحديث في أحوالنا السياسية الداخلية وفق نظام (البطاقة الصحية)، وقد تصيب بعض حكامنا (نوبة ذكاء) عابرة فنعاقب على مجرد الكلام، إن خيراً فخير، وإن شراً فمكانه النار وبئس القرار.

وضعت معاداة السامية أول طوق على حرية التعبير، وتضافرت الجهود الإقليمية والدولية من أجل استكمال مشروع كوني يجعل التعبير عن الرأي واجباً منزلياً فحسب، وبطبيعة الحال باستثناء شرقنا العتيد الذي ابتكر عقيدة (الجدران لها آذان). لا نرى في ذلك بأساً، فقد أدمنت شعوبنا حرية الصمت، ولكن ما يبعث الحيرة هو هذا التعاكس بين الانفتاح والاستبداد. يأتي الجواب دائماً بأن الأمور بخواتيمها، وكل انفتاح لا يأتي بخير للولايات المتحدة هو شر مطلق. بإمكان العالم أن يستعير من الانفتاح الأميركي ما يشاء ولكن بشرط أن يبقى ضمن المجال الحيوي للمصالح الأميركية، أما غير ذلك، فسيحلّ عليه غضب من البيت الأبيض والكونغرس، وستصدر العقوبات تباعاً تحت عناوين شتى: تمجيد الإرهاب، التحريض على الكراهية، معاداة السامية.. ولأن الثراء الجدلي يكمن دائماً في العلاقة بين الخطأ والصواب، فإن الصواب لا يعدو صواباً ما لم يكن مسنوداً بقوة تحميه، والخطأ يغدو قانوناً في غياب قوة تردعه، فقد يحوز القوي على كل البراهين التي تدحض حجج خصمه بفعل فارق القوة، وليس وجاهة الحجج.

عوداً إلى أوباما، فإن ما يتطلّب فحص انكساره ليس تصوراته في التغيير، ولكن في (المؤسسة) التي أبت أن توقف التوجّه المضاد لحركة العالم، فأميركا اليوم إذا ما واصلت السير في الطريق نفسه ستواجه العالم. فليست الرهانات الثقافية التي يجري التعويل عليها لأمركة العالم ناجحة بالدرجة التي يمكن أن تلجم نزعة الاستقلال والتحرّر لدى الشعوب، وليس تفجير التناقضات الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية حلاً مثالياً لحماية المصالح، فهناك ما يكفي من أدلة كيما يعيد أوباما حساباته، وسيقترف جناية إن فكر العودة الى سيرة سلفه.



التعليقات
إضافة تعليق
عدد التعليقات: 0  
لا توجد تعليقات



أعلى الصفحة© 2010 . جميع الحقوق محفوظة للجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية .